|
محمود
بدر عطيه
مدارس الرسم في القرن العشرين
محمود بدر عطية
التقليد الذي درجت عليه جمعية الفنانين
التشكيليين العراقيين في السويد، أصبح سمة بارزة لنشاطٍ شهري، إعتادت
الجمعية أن تقيمه مشاركة منها في تحريك الجو الأدبي والفني شبه الراكد
في بلاد الغربة، ففي السابع والعشرين من أبريل ـ الشهر الحالي ـ 2010
كنا على موعد مع محاضرة الفنان التشكيلي (كابي سارة )والموسومة (الرسم
في القرن العشرين)، حيث طلت على الحضور سكرتيرة الجمعية الفنانة
التشكيلية ( هناء الخطيب ) فبصوتها الرقيق ونبراته الثابتة إستطاعت أن
تلفت إنتباه الجمهور بقولها:الحضور الجميل أسعدتم مساءا لقد تعودنا أن
نخاطب قلوبكم بالصور ولكن اليوم آثرنّا أن نخاطبها بالكلمات.
منذ بدأ الخليقة والكائن البشري
تتجاذبه قوتان ، قوة للبناء وأُخرى للهدم وتلك قضيتان يتم التعبير
عنهما بمختلف الأشكال عبر مراحلهما التأريخية .
لنترك قوة الهدم الغاشمة جانباً ونركز
على قوة البناء ، وما يعنينا هنا الفن ودوره في حياة الدولة
والمجتمع .
واليوم نحن في لقاء مع فنان عهدّنا معه
يرجع الى سنوات بدأت فيها جمعيتنا تتلمس طريقها نحو النهوض .. فنان ذو
علاقة حميمة مع الوطن وإن لم يسكنه فقد سكنه الوطن شمساً وخضرةً
وأشياءاً جميلة، لم تهمد شعلته الفنية ولم تستنفد صوره فما زالت مزدانة
بالخطوط والألوان والظلال والأضواء.
يطل علينا الفنان اليوم بصفته
الأكاديمية ليحدثنا عن مسارٍ من مسارات الخلق والإبداع نعني به ( مدارس
الرسم في القرن العشرين)
نأمل أن يزودنا الفنان( كابي) من هذا
الينبوع معرفةً صافية كما نأمل من الحضور أن يستقي من هذا الينبوع
بإصغاء جميل.
أيها الأحبة
شكراً لحضوركم الجميل هذا، ونترككم مع
الفنان الأكاديمي( كابي سارة)
بدأ الفنان الحديث بقوله : حين اكتشف
الإنسان بقايا الحيوانات المطمورة والتي أخذت أشكالاً وهيئات فنية ،
دخل بعدها الإنسان الى الكهوف والمغارات ليجسد رسوماً وأشكالاً
لحيوانات خاف منها أو تآلف معها ، ولعل إكتشاف الأطفال الأربعة لمغارة
لاسكو في فرنسا عام 1940 والتي حوت على 600 عمل فني ورسومات ونقوش تزيد
على 1500 في حين إنّ غار تايمرا في أسبانيا والذي عُثِر عليه قبل ذلك
كان كشفاً عن الذات البشرية وعلاقتها مع الحيوان.
جاءت (الكلاسيكية المثالية) والتي تؤكد
قدسية الشكل والمضمون أعقبتها( الواقعية) ثم (الإنطباعية )ومع بدأ
المدارس الفنية عام 1860 والصراع قائم بين فنان مكتشف وجمهور مقاوم لقد
وقف الفنان (كابي) طويلاً عند عمودين شامخين ألا هما (مانيه ومونيه)
لقد خرجا على المألوف ( الجمهور، النقاد، الأكاديمية ) ولعل لوحة
(إنطباع شروق الشمس) جاءت لتؤكد ما ذهب اليه رواد هذه المدرسة من الرسم
في الهواء الطلق ، الحرية ، الإنطباع السريع، الفرح في الفن وحزمة
الألوان الأحمر.. الأزرق والأصفر.
أما( الوحشية )والتي أطلق عليها بسبب
قول أحد النقاد خلال زيارته للمعرض " نحن ليس في معرض بل في غابة من
الوحوش" تميزت بعنف الألوان والمضمون وقساوتهما، جاءت( التعبيرية )لسبر
أغوار عالم الإنسان الداخلي حيث يقف أمام نفسه والآخرين ، إنه الوقوف
أمام الطبيعة .
و( العبثية) والتي جاءت على أنقاض
الحرب والقتل والدمار والتي سميت بالفن المنحط فقد كانت لعباً في اللون
والشكل، وقد أُطلِق عليها فيما أُطلق( الدادائية )والتي ظهرت في خضم
حركة فكرية لعمالقة عظام أمثال( بيكت) و( سارتر) كانت أهميتها كما قيل
من كونها فكراً إنسانياً.
أما( السوريالية) التي إتخذت من عالم
النفس( سيجموند فرويد )وصاحب النسبية( إلبرت أينشتاين) عرابين فقد بدأت
في مركز التمرد( باريس) وكان( سلفادور دالي) أبرز فرسانها.
تأتي بعد ذلك( التجريدية) والتي خلقت
شيئاً شبيهاً للواقع ولا يشبه تفاصيله، حذفت التفاصيل لتخلق شيئاً
متوازياً .
تطرق بعدها الفنان( كابي) الى(
الواقعية الإشتراكية) والتي جاءت صياغة عبارتها على لسان الكاتب
الروسي( مكسيم غوركي) والتي شملت الأساليب الفنية والأدبية التي تتبنى
وجهة النظر التأريخية للطبقة العاملة.
وفي خضم هذا الحديث المتشعب نسي
الفنان( كابي) إتجاهاً فنياً إتخذ من الأشكال الهندسية أساساً لبناء
العمل الفني إلا إنه تدارك ذلك مؤكداً وإن كان( سيزان )هو المعلم الأول
إلا إنّ( بيكاسو) هو الدعامة الرئيسية( للتكعيبية) والتي تبناها وتطورت
على يده.
المشاركة في النقاش وطرح وجهات النظر
كانت قليلة بالقياس الى عدد الحضور الكبير نسبياً.
وفي سؤال لأحد الحضور:
هل لِأحد القدرة على القيام بتجسيد
المدارس مجتمعة في لوحة واحدة؟. وبعد رد السيد المحاضر.
علق الفنان( ياسين عزيز علي) بالقول:
حين يتمكن أحدٌ، ولن يكون ذلك بضربة
حظ،، بل عليه أن يملك الإرث الفني برمته، وهذا ما لم يتحقق لأحد ولو
تحقق له ذلك لوجد الحلقة الضائعة في الفن التشكيلي، كما أوجدها طيب
الذكر( دارون )في أصل الأنواع !.
أما حماسة الفنان( شاكر بدر عطية)
لدور الفنان( سيزان) كمبدع في المدرسة (الإنطباعية )أكدها عندما تطرق
الى دور الفنان في تجسيده اللحظة والتأثيرات اللونية متخذاً من اللون
لغة تكاملية بإسلوب علمي فيزيائي يعتمد على تحليل الضوء وإنعكاسه على
الأشياء.
وأخيراً ، فمن خلال العرض الشيق
والإسلوب الجميل تعرفنا على تلميذاً نجيباً للأساتذة السابقين ، إنتفع
بدروسهم وأضاف من روحه المرحة وخفة دمه بجانب المهابة ما إنتفعنا به
فقد كشف لنا خبايا كنا نجهلها ، لقد خاطبّنا بلغة بسيطة فسرت لنا
أفكاراً كبيرة ، لغة المحب لعمله فأحببنا فيه فناناً ملك أصول الحرفة
والخطاب ، لقد أصبح كل ما يقوله هذا العاشق والمسحور بحب الفن جديداً.
إنّ هذه التحف الرائعة التي عرضها لنا
والتي تعود لفنانين تركوا توقيعاتهم ساكنة ، بقينا ندور حولها بعيون
مشدوهة وملامح متنوعة .
لقد كان وصفاً لشاعر حساس رقيق يفيض من
روحه على الأشياء فيكسبها حسناً وبهاءاً دائميين.
|