Home

 

بقلم : محمود بدرعطية

الخريف يزحف

 

   الخريف  يزحف  على مدينة ستوكهولم الجميلة فارشاً بساطه الأصفر والإرجواني على مساحاتها

    الخضراء على السواء بين بيوت الموسورين أو سكنة البناء العمودي .

    وعلى مدار فصول السنة يشارك الجميع كباراً وصغاراً في حملات منظمة لتنظيف وترتيب مناطقهم،

    لكن مايقوم به الناس في هذا الفصل يكاد أن يكون مقتصراً على جمع أوراق الأشجار المتساقطة 

   وحفظها في ألأكياس البلاستيكية السميكة.

      كنت ماشياً في طريقي عبر أجمل غابة في منطقة (هوسبي) بإتجاه مرسم الفنان( شاكر بدر عطية) ،

   كان سكوناً مطبقاً إلا من صوت خشخشة أوراق الأشجار اليابسة تحت قدمّي وقتها حملتني الذاكرة الى

   سبعينات القرن الماضي ولأجمل شارع في مدينتي البصرة الجميلة الى شارع الكورنيش وبالتحديد الى

   المنطقة المحصورة بين (حديقة الأمة) وبيت( ميخائيل حنا الشيخ) حيث كانت الأشجار النفضية تفرش

   أوراقها بساطاً للمشاة.

              لم يخطر ببالي وأنا أدخل المرسم أن أجد على الحامل لوحة لم تجف ألوانها بعد تجسد ألوان الخريف  

   التي في الخارج  وهوالفنان المشغول بمشروع طفولته والذي أنجز منه ثمانية عشر لوحة أراد لهذه

  اللوحة الأخيرة في سلسلة  ذكريات الطفولة، لكنها تمردت فألهمته صوراً وأحاسيس جديدة وأثارت فينا

 بهجة أغنت عواطفنا ومنحتنا رؤيا نفذت لأعماق النفس.

وقفت متأملاً اللوحة أردد في نفسي : نعم أدوات خلقه الفني منحتنا  اللوحة ــ الحقيقة

   رمالً تتحرك في قلب اللوحة ، ألهذا يحب البدوي صحراءه بالرغم من قساوتها؟.

   لماذا يهرب إبن المدينة للعيش في الغابة؟.  

      رأيت اللوحة ــ الحقيقة مكاناً فسيحاً للغاية تعبق في هوائه رائحة الخزامى و تداعب وجهي نسمات

    صباحه الصحراوي موشوماً بظل جناح طيرٍ عابر، يرتفع اللون الإرجواني بصفاء ودقة حتى يتسع

 نطاقه ليشكل خيوطَ الشمس، ثمة سحابة تلطف حدتها ، داعية ظل رجلٍ تقهوى وتناول  فردات تمر ( أبي

خشيم )* من جرابه تاركاً  رماده في الموقد وهائماً على وجهه في بحر الصحراء المفتوح.

  بقلم : محمود بدرعطية

 

 

 

 

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*ـ تخشب الجزئ العلوي من التمرة بسبب العطش أو لعوامل وراثية.