|
|

بقلم:
محمود بدر عطية |
أحلامٌ مؤجلة
وطموحاتٌ مؤودة |
بمـقدمـة قصيرة إستطاعت الفنـانة
هناء الخطيب أن تُدخـِل الحضـور الى جـو الأمسـية الفنـية
الشهرية لجمعية الفنانين التشكيليين
العراقيين على قاعة (هوسبي كونست هال في العاصمة السويدية
ستوكهولم) والتي كانت مخصصة للفنان
التشكيلي عباس خضير الدليمي والذي قدَّمه الفنان التشكيلي
جبرائيل سارة.
عباس فنانٌ فطري .. إنتقلت عائلته
البدوية من أرض الجزيرة وأستقرت في الكاظمية / العطيفية
الأولى
، جاء الى الدنـيا عام 1952 في بـيت من بيوت الصفيح المبثوثـة خـلف
السـدة والتي لا ترحم
صيفاً كان الفصل أم شتاءاً ناهيك عن أبسط
مستلزمات العيش الكريم.
عبـاس الطفـل إختلطت عليه الأمـور
فالبسـاتين الغنـّاء والقصـور الشامـخة ( ذاك الصـوب) عنـد
الضفاف الأخرى للنـهر الخالد دجلة الخير
!، ولعـل قصـر الفنـان( رشاد حاتم) كـان إكتشـافه الأول
فقـد كان والـده يتردد على القصر معتنياً
بحديقـته أثنـاء وجود الفنان رشـاد في السـجن، توالت بعدها
الإكتشافات لتزرع في مخيلة الطفل الطرية
تلك الصور عن حياة الناس ، فخروج نعش الإمام موسى
الهادي (ع ) من بيت ( حجي
مطلك ) ومنظر آلاف المشيعين الذين كاد أن يضيع معهم وسط البكاء
والنواح ، كانت صوراً لم يبرأ منها
ومازالت ترهقه حتى يومنا هذا.
عباس التلميذ الذي كان يقطع المسافة بين
البيت والمدرسة النموذجية! مشيـاً ماراً ببيوت الأغنياء
والذي لفتت نظره ثقالة حبل الغسيل آنذاك
لقد كانت دراجـة هوائية ملتصقة بالسيـاج الخارجي للبيت
لقد حلم بها كثيراً قادها مرة وركبها
مرات ماراً بالأزقـة ولم يعترضـه أحـد .. إنه مجرد حلم يضاف
الى أحلامـه المؤجلة دائمـاً ، فكيف له
أن يحصـل على دراجة وقـد ودع والده الحيـاة وأصبحت الأم
مسؤولة عن ثمانية مناقير وهي البدوية
المقلّة في التعبير عن مشاعرها.
في الصف الخامس الإبتدائي بدأ إهتمام
عباس بالخط وبما إنّ إستعماله للدفتر المدرسي سيعرضه
لعقوبة البيت أو المدرسة فقـد آل على
نفسـه أن يقطتـع جزأً من مصروفه اليومي لعـدة أيام ليشتري
دفتراًوبسرية بدأ يمارس هوايته بمسـاعدة
زميل له كان يزوده بمانشـيتات الجـرائد التي راح ينقشها
وبكفاءة عالية.
الإنتقال الى مدينة الثورة و اتـساع حلقة
الأصـدقاء من المهتمين بالفـكر والثقافة وجد عباس نفسه في
معسكر الحالمين بوطن حر وشعب سعيد.
لكن الحلم لم يتحقق بحكم الظرف
القائم!!، دخل المعهد الصناعي عام 1973 إلا أنّ ثمة فسحة لزيارة
المعارض والمسـارح وقتـها كان على
علاقـة طيبة مع الفنـان طـه سـالم فعمـل في المســرح الشعـبي
كخطاط ، وبعد القطيعة التي حدثت عند
إنفصام عرى الجبهة وجد نفسه حاله حال الكثير من الحالمين
البسطاء عرضة لبطش السلطة فشد الرحال
الى كردستان .
التجربة في
كردستان تجربة مريرة عاشها الحالمون في الأودية أو على قمم الجبال،
سقط مَنْ سقط
ورحـل مَنْ رحل أو غُيب مَنْ غُيب وما
زالت الأم أو الإخت أو الزوجة تبحث عن طيف أو رفات، أما
عباس فقد شد َّ الرحال الى معسكر
لللاجئين في ايران تاركاً وراءه ذكريات وتخطيطات وبعض التماثيل
الطينية.
وصـل عباس الى السويد حامـلاً معه
تناقضات عـدة ، مخذولاً لمـا تعرض له من جروح عميقة طالت
وجدانه وتمخضت عن حريق لاهب قد يطال من
يقترب منه ليواسيه،وإنبهار أمام حياة متطورة تتحرك
بسرعة لآفاقٍ جديدة ، وما عليه إلا أن
يفتح صفحة جديدة لتحقيق ماعجز عن تحقيقه سابقاً إلا أنه فقد
البوصلة ولم يستطع الموازنة بين الذات
والموضوع فقد ذهب به التيار بعيداً الى غير رجعة ـ كما يعتقدـ
وأخيراً فعباس الحكواتي الناجح
بإمتياز إستطاع أن يمـرر وبشكل مـتقن وعن طيــبة خاطر جزيئـات
حياته وأفكاره مما جعل كل مَنْ في
القاعـة مضطراً لحبه والتعاطف معه ، لقد وجـد الجميع إنَّ هناك سبباً
إنسانياً لذلك، أما الآن فأن ما يخـالجه
بعد هذه السنوات العجاف وهـو وحده الذي أكـد ذلك، والإرهاصـات
التي يعيشـها الآن تُبّـشر بإنبعاث
جديـد بما يشبه التحدي لذاته في سـبيل تعزيز تجـربته السابقة والإنطلاق
نحو المستقبل الواعد. |