Home  

  بين جزر دائم ومد لا يرتفع

محمود بدر عطية

منتصف نهار السبت الرابع والعشرون من شهر شباط 2007 وبحضور السفير العراقي وعدد من المهتميين بالفن من العرب والسويديين ، قصت مسؤولة " بلدية شيستا " الشريط إيذاناً بإفتتاح المعرض السنوي لأربع وعشرين فناناً عراقياً كل منهم يملك فرشاة تضرب لتجسد ملامح الصور التي هرستها ضربات السياط فكادت أن تفقد بساطتها وسحرها ، فهل تمكنت الذاكرة الفنية أن تمسك بها؟!.ظلال كثيفة .. شوارع يسحقها الموت .. وجوه منسية غائبة عن الوعي..يأس وسخط وشعور بالظلم.
ليس هناك عمران، لكن الإصرارعلى تبديل الظلام وغسل الوطن ثانية بضوء شمس الربيع الدافئة على الرغم من أن بذور أحداث المستقبل تبقى مجهولة لكنها محمولة في ذوات الفنانين، انها في داخلهم .. العراق بعمقه التاريخي ومنزلته الإنسانية، الكل يريد أن يؤكد الهوية العراقية على الرغم من ان الأمور قد خُلِطت وخصائص الإنكسار تلوح في الأفق، فالحرب طوقت العراق ومهما حاول العراقي اظهار المسرة فإن مد الحرب حرمنا وسيحرمنا الكثير والفرح العراقي في جزر دائم بين دبابات ومدافع وحطام صعب التمييز، لذا ترى الفنان والشاعر والكاتب يحاول تحطيم القيود عائداً الى أحلامه التي ابتدعها وأوراقه الملونة وشخصياته الأثيرة ،وهو ما حاول الفنانون العراقيون في معرضهم هذا من ابرازه بالرغم من أن بعضهم قد توقف عند مدخل الباب دون أن تتشكل وتكتمل ملامح تجربته والبعض جف نسغه فأبتعد عن المركز وآخر استمع لنصيجة غيره فأغلق الباب ولن يفتحه ثانية حتى لو انتظره الغير صابراً مصابراً والأخير ليس له إلا الرقص حول شعلة أوقدها معيداً صدى أغنيته القديمة، وهناك مَنْ حافظ على روحه أن تبقى حية بقدرته دوماً على النمو وتحمل المسؤولية فأعماله تتفتح وتزدهر وذات قيمة خاصة فهو دائم البحث عن الكيفية التي يصل فيها الى اللحظة المضيئة ليجسد ولادة تطهر الروح البشرية من أدرانها وتفاهاتها، وفي هذا السياق لابد من التوقف عند ما قدمه كل من الفنان شاكر بدر عطية و والمصور الفني الفنان حسين العلوي واللذان كاناـ بحق ـ نجمي المعرض بلا منازع، شاكر بتجسيده عالمية القضية العراقية بعمله التركيبي" المطر":
ارتقى لفظ الجلالة بالخط المسماري سماء المكان ..نزلت قطرات المطر ملونة فالله هو رحمة خالصة، فماذا فعل المفسدون وفاسقوا الخلق ، ان ما نشاهده من تجسيد هو ما يصيب البلدان من بلوى هي ليست شهب ونيازك تلقيها الملائكة من السماء لتبعد الشر عن الأرض بل ما يطلقه أشرار الأرض على بعضهم البعض فتحدث الإلتواءات والشروخ والجحيم الذي نحته الموت في الأسفل.
أما الفنان العلوي فلقطاته التي زادت على الألف وخمسمائة لقطة منقولة من شرق الأرض وغربها بحرفية نادرة وجهد واضح ، لم تكن لقطاته بسيطة ـ كما أسلفناـ لكنها واضحة ومتميزة ، لم يخض في السياسة بل ركز على قيم المجتمعات .. أخطاءها .. ومظالمها .. صور لا تبتعد عن الحقيقة والتي يبحث دوماً عنها..صور تمس شغاف القلب وتثير الإهتمام.
النماذج التي عرضت ـ على السواء ـ رسماً تشكيلياً أو نحتاً من الطين .. المعدن أو الخشب تحدثت أغلبها عن المضمون بلغة الرموز والإيحاءات مما شجع المتلقيين بإختلاف مستوياتهم على تقيم الأعمال وفي ذلك خلق علاقة جديدة بين الفنان والمتلقي على الرغم من محدوديتها ـ ( أغلب الفنانين لم يتواجدوا في قاعة العرض ) ـ والتي تخضع لمعاييرليس بصدد ذكرها!
مسؤولة البلدية شكرت الجميع وأكدت على إن هذا التجمع أثار البهجة ومنحها احساس بالفرح.
السفير العراقي تحدث بوجدانية لا تغلفها اوهام الذات حين أكد بأن عملاً فنياً تكاملت به اللحمة كان نسيجاً عراقياً خالصاً وحد الجميع في بودقة الحب والغنى والجمال والفرح العراقي .
أما عن جمهور الحضور فقد كان الحضور السويدي ملفتاً للنظر هذا العام ، يوم الأفتتاح والأيام اللاحقة مما مكننا أن نجد مجالاً للحديث عن الفن العراقي سيما بعد أن حكموا وبلا تعجل على ما عُرِض من أعمال فكانت الاحكام متسمة بواقعية متفتحة لا تلغي الآخر وإنما تعمق العلاقة التي يرغب البعض في إنحسارها وزوالها.
قناة الفيحاء الفضائية كان لها حضوراً متميزاً هذا العام فقد قامت بالتغطية الكاملة للحفل ، فالمذيعة اللامعة أنعام والمصور عادل هما آخر من غادر القاعة يوم الإفتتاح.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*ـ المعرض السنوي لجمعية التشكيليين العراقيين في السويد والذي أقيم على (قاعة هوسبي جورد)للفترة بين 24ـ 2 لغاية 11ـ 3 /2007