Home  

 

الحب وأشـــــــــــــــياء أخرى


فرات المحسن*

حقيقة الأمر أنَّ الرواية والقص تغويني على القراءة أكثر من الشعر لذا فأني شرعت بقراءة الديوان من آخره أي من النص النثري الذي أسماه الشاعر محمود بدر ملحق نثري.

أردت من ذلك شيئين : الأول هو إرضاء ذاتي والثانية محاولة إكتشاف لغة الشاعرفي تنوع النص واختلاف المواقع.
في محاولتي تلك اكتشفت ان الشاعر لوى جسد القصيدة ليطلق عليها تسمية ثلاثيات نثرية، ووجدت ان النص النثري مهما أراد الشاعر أن يضعه على شكل استطراد قصصي فقد فضح نفسه كنص شعري لا ريب فيه .

ثلاثيات الشاعر في هذا الديوان نَحَتْ مثلما في دواوينه السابقة الى ذات الغواية وهي استدعاء الماضي بأماكنه وشخوصه الرضية وهي غواية تسكن الشاعر محمود بدر أبدا، وهو في تلك الغواية تواق لفعل جميل ونبيل وفي ذات الوقت صعب وفسيح ويحتاج الى الكثير من الحذاقة والدقة والشفافية... ويضاف لكل ذلك قوة الإختزال والقدرة على التكثيف ، ذتك الفعل الذي يتوق الجميع لامتلاكه ألا وهو اقتناص اللحظة ... الإمساك بها، تطويعها، رسمها... والشاعر محمود يبحث عن قيمة تفصيلية في مشهد صغير يتوالف مع ما يكنه الشاعر لتلك العوالم الفسيحة، وهو في قصائده يلتجأ الى الصيغ العيانية في التجربة الحياتية، ولاحظت أيضاً ان الشاعر محمود لا زال يحرث حديقة شعره بذات الأدوات.

سبق للشاعر محمود بدر أن أصدر ديوانه الثالث ( الحرب وأشياء أخرى) عام 2003 وعنوان ذلك الديوان بقي عالقاً بالذهن ولكون الشاعر يبحث دائماً في المتناقضات داخل الأمكنة والشخوص أو بين وجوده في الغربة وحنينه الى مدنه القديمة بروائح أعشابها وترابها وسحنات بشرها وضجيج حياتها، هذا الهوس المتولد من التقاطع والتناقض دفعه للتمسك بالمتضاد ولذا فأن خزين مشاعره دفعه لتسمية ديوانه الجديد على النقيض من اسم ديوانه الثالث وكان العنوان الجديد ( الحب وأشياء أخرى) ولكن عند قراءتي للديوان تمنيت أن تكون التسمية ( ثلاثيات) وهذا الأسم أجده الأنسب...فرجع الثلاثيات يتكرر في جميع القصائد والنصوص: أنا، أنت ، المكان ...أنا ، أنت، الآخرون.
الشاعر محمود بدر فضّل خيار التضاد بين عالمين وتلك الرغبة تأتي من نقطة البحث عن الطمأنينة والسلام الروحي التي يريد الشاعر أن تكون هي غايته ومحاوره التي يلتف عليها ويلتمس عبرها ويتنفس عوالمها التي يشعر انها في طريقها للإنفلات وهو يريد أن يضعها في جعبته.. أن يأسرها ولكن بعفوية وحرص شديدين ودون أن يسبب لها الإيذاء أوالخدش.. يكون محمود الشاعر دائماً حريصاً على جمع تلك الخيوط والشواهد كقص وحكايات ليضعها بين دفتي دفاتره وهو في ذلك مثل جامع الفراشات أو الورود وأوراق الشجر النادرة.
لندخل الىرحاب قصائد الشاعر محمود بدر من باب آخر .. من جوانب وزوايا أخرى.
بالنسبة لي وتلك وجهة نظر شخصية ..أجد انّ قصائد ديوان الحب وأشياء أخرى يغلب عليها قصور في شفرة التأويل ..أو بمعنى آخر انّ أغلب النصوص الشعرية تأتي تفصيلية مباشرة غير ملغزة بالرغم من أن الجملة الشعرية تمتلك عناصرها الأدبية والجمالية ولكننا نكتشف خلوها من الدلالات والرموز أو التوريات وتلك الثيمة يمكن أن تختفي مع علاقة الشاعر بالمكان والشخوص التي علينا أن نفسرها كحالة لوجع يحاول الشاعر أن يسيطر عليه عبر استدعاءه كمتخيل لفرح يجب الإمساك به حتى وإن بدا بالهروب والتسرب وهو تواق لكشف ذلك اللغز أكثر منا.

القارئ للشعر وهو المالك لعدة المثقف المعرفية والتذوق للمادة ربما لا تناسبه اللغة الشعرية المباشرة أو أنه يفضل الطريق الوعر لتفسير النصوص أي بمعنى ما هو مؤول في النص، إن القارئ يبحث عن الصياغات التأويلية الملغزة التي تحمله الى عوالم الشاعر الإبداعية وتدعه يكتشف لذة الأبعاد في الإبداع الشعري.
هناك أيضاً إفراط في السرد حيث يذهب النص الشعري بعيداً في توصيف اللحظة بالرغم من إمكانية إختزال أبعادها وهذا نلاحظه بشكل مفرط في قصائد : عبلة ـ أريدك أنت ـ ثلاثية اللقاء الجميل وغيرها من القصائد.
إن السرد لا يخدم بنية القصيدة وأجده نمطاً مؤذ يفسد النص ويفرغ ألفاظه من البعد الدلالي ويجب أن نعترف بأن الذائقة الشعرية اليوم تفترض التكثيف والترميز دون إطالة.
في بعض القصائد نجد أنّ السرد أتعب القصيدة ووضعها في رخاوة غير محببة ونرى الشاعر يكتب عن اللوعة والحب والهجر والحزن بروح الكشاف الميكانيكي المتخيل وليس بلوعة الفعل وأنفعالاته العاطفية.
ربما يكون السرد لازمة للقصائد الملحمية في الشعر وبالذات الغربي منه أما الإفراط في هذا النوع في القصيدة العربية الفصحى فأنه ينقلها الى صنف آخر هو السرد النثري أو ما يسمى قصيدة النثر وهذا النوع هو تحرر غير مستساغ من الوزن والتفعيلة في القصيدة وهو التفاف مخادع لمن يفقد ملكة الإبداع الشعري... أقول ذلك على الأقل برأيي الشخصي الذي ممكن أن يخالفني فيه أو يوافقني عليه البعض.
وأقول أيضاً إنّ تمازج السرد المفرط مع فقدان لغة الترميز أو ما يسمى شفرة القصيدة يوقع النص الشعري في أجواء مفتوحة مبسطة يضعها في لحظة عابرة لا يمكن التوقف عندها كثيراً بعد القراءة الأولى.

عند قراءتي لديوان الحب وأشياء أخرى شعرت أن هناك حاجة بي لإعادة قراءة ديوان الشاعر محمود بدر الأول والمسمى (للنخلة حديث آخر)، يعود السبب في ذتك الى ردة فعلي المباشرة ورغبتي في المقارنة بين نصوص الديوانين وكانت أيضاً محاولة للبحث عن ما تغير في لغة الشاعر.. خياله...تعابيره...أدواته...صوره...مكنوناته، و كذلك دفعني ذلك الأمر لإعادة قراءتي لنصوصه النثرية في مجموعته ( أبو الخصيب )، وفي كلتا الحالتين وجدتني ميالاً لإعتبار أن الديوان الأول ومن ثم المجموعة النثرية الأولى كانتا متقدمتين كثيراً عما حواه الديوان الشعري الأخير المكنى الحب وأشياء أخرى .

ففي ديوان للنخلة حديث آخر كانت لغة الشاعر أكثر صدقاً وتجذراً ووضوحاً وقبل كل ذلك تكثيفاً وتعبيراً وكانت تركيباتها التشكيلية تشد القارئ وتبهره ولغته ضاجة بالتنويعات الصورية مع تدفق عفوي حميمي للإنفعالات وهذا ما جعله يبتعد عن النمطية في تخطي إشكالية الإغتراب أو سبر غور الماضي لتوصيفه في الحاضر وأقتناصه لوضعه في لوحة مرسومة بدقة ووضوح دون رتابة أو تصنّع ، ويمكن القول أن من الحسنات الجميلة لشاعرنا هو إبتعاده عن المبالغة والتمجيد والإطناب ..فهو سلس العبارة شفافها ولذا فهو يقارب لحظته الماضية بمودة وتناغم فياض وهو في هذا الحال لا زال يحافظ على ذات الفعل في جميع دواوينه.
أما في ديوانه الأخير فأقول ان صاحبي إستدركته العجالة وهو في غير حاجة لها ولذا جاء ديوانه متراجعاَ عما سبقه من دواوين.

أخيراً أقول: أن العملية النقدية وفي نهاية المطاف مجرد رؤية تفسيرية للقارئ الناقد وهي ليست نصوصاً رياضية صماء أو معادلات كيميائية بنتائج لا تقبل التبديل بقدر ما هي رؤية قابلة للدحض أو التأييد ولن تكون المعيار النهائي لقراءة النص الشعري أو النثري وليس النقد في الأغلب هو المقياس لتقويم العملية الأدبية برمتها.
وفي كل ما قلناه ونقوله فأن الشاعر يبقى هو المُجسِد والرافع لكلمته وهو مَنْ يعطيها طابع الديمومة والتألق ويطلقها فرحاً وزهواً بين قلوب قراءه.

لكم جميعاً المحبة والاحترام ولشاعرنا الجميل كل المودة والتمنيات بالتقدم والنجاح الدائم.



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*ـ قراءة للكاتب في الأمسية النقدية لمجموعة الشاعر( الحب وأشياء أخرى) ، والتي أقيمت على قاعة (هوسبي هال)
في ستوكهولم.