Home  

فنان ولوحة


سبق لي وكتبت شيئاً عن الفنان "منجد بدر" ، لكنه في الأمسية الشهرية ـ لجمعية الفنانين التشكيليين العراقيين *ـ والتي خصصت له ـ والتي كانت تحت عنوان " فنان ولوحة" ـ نشر أوراقه كاملة غير منقوصة، شرّع كل الأبواب، فتح كل
الشبابيك.
أتعَبَنا وأمتعنا وعلمنّا!.
وكما قيل فالكتاب يُعرف من عنوانه ! فقد كان منجد مثيراً في طرحه لمسيرته الحياتية ومعاناته الشاقة.
ندرك من خلال حديثه، كان عاطفياً عقلياً وما بينهما لا قاعدة للحكم بل عاش بقوة وحرارة واصرار الجنوبيين..دموعهم ..
أحزانهم.. حاجاتهم البسيطة و مساحاتهم الصغيرة والمسموح لهم بالحركة في مربعها !، لقد بكى كثيراً وضحك كثيراً وحزن كثيراً ولم يفرح أبداً، هو أكثر المبتهجين بالحقيقة والأكثر تأهيلاً للأخطاء والمحتج على نفسه قبل الآخرين.
إنه يبحث عن الأفضل لذا فهو في حركة دائبة لكنه دائم الإصطدام بقوانين صارمة كبلته ووضعته أكثر من مرة خارج مسار الحياة في دوامة لا قرار لها ولا خروج منها، يبدأ بالتحرر فيرى نفسه في دوامة جديدة ومطب آخر.
تحدث عن طفولة بمقاييس ـ أهلنا ـ أهل الريف محددة بعلافات إجتماعية معينة .. لم ينف الحرية فقد كان يعيش في فلكها وكلما كبر بدأت الدائرة تضيق وعلى الطفل الذي كبر أن يعمل وفق هذا الإدراك، فكيف له التفاعل مع الجديد والمثير خارج نطاق برودة النهر في صيف الجنوب اللاهب، يقول:
كنت خجولاً فبهرتني المدينة وضيّقت عليّ الخناق، استاذي في المدرسة الإبتدائية ـ والذي دفعتني قناعته وسقت البذرة التي في أعماقي** ـ خَيّبت ظنه في أول خطوة لي عند تخوم المدينة!.
بعد الدراسة المتوسطة تقدمت لإختبار معهد الفنون الجميلة، وصلت متأخراً بسبب المطرو الذي بللّني وأوراقي، كما إنَّ التعليق الذي أطلقه رئيس اللجنة آنذاك ـ الاستاذ حميد المحل ـ وبتهكم واضح زعزع ثقتي وكنس اندفاعي و لحظات التوترأفقدتني القدرة على موائمة النموذج مع حجم الصفحة في الإختبار العملي مما جعلهم أكثر قناعة بعدم قدرتي وقد كان حكماً مطلقاً.
عدت لإكمال الدراسة الاعدادية ، فبين مطرقة الخطأ وسندان الإصرار خسرت سنوات ثلاث تخرجت بعدها كارهاً الفيزياء والرياضيات لألتحق وبدون أدنى رغبة ـ سوى رغبة المعدل اللعين ـ بمعهد التكنولوجيا ـ بعده ـ لم أُتعب نفسي في البحث عن عمل بل أركنت أوراقي وأتجهت لممارسة مهنة الأباء ولكن الظرف القائم ـ آنذاك ـ لم يرحم أمثالي فالحرب قائمة والمجازفة محفوفة بالمخاطر ولعاب المسؤولين يسيل أمام بريق الأصفر الرنان فتاجروا بكل شيء وتركونا بلا شيء.
جربت حظي مع الغناء فلم أفلح ، خسرت تحويشة العمر في انجاز شريط كاسيت أحمله معي في الحل والترحال!.
تركنا العراق مرغمين تقودنا خطواتنا الهاربة نحو المجهول.. أوقعتنا المدن خارج الوطن في حيرة عرفنا الضحك والبكاء ولم نعرف الفرح كذلك.
وأخيراً هاأني أرتمي في حضن معشوقة جميلة تعطي الحضارة وتقدم خدماتها للناس جميعاً،والتي تعج بكل شيء حتى بالحب!.



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*ـ أكد الفنان من خلال حديثه احتضان الجمعية لموهبته ودعمها له.
**ـ لوحتان للفنان ضمن مجموعة اللوحات التي عُرِضت في القاعة جلبتا انتباه الجمهور(سويدياً كان أم عراقياً)، لقد أطال
البعض الوقوف والتأمل.