|
من الذاكرة... طبع الحمام

الطفلة "سوسن" ذات السبع سنوات تتجول كأميرة شرقية صغيرة في بيت جدها
الكبير .. أعمدة الدار السامقة والمحيطة بفناء البيت تثير عينيها
برؤوسها المزخرفة وتناسقها الجميل ـ فهل خطر ببالها وقتها وهي تتأملها
بأنها ستحوّل بعد سنوات من ذلك إلى مادة تسعى إلى تشكيلها على الورق ـ
مجاميع الحمام وهي تنزل على درجات السلم من دون أن يعترضها أحد، فكان
لهديلها وحركة رؤوسها الشاقولية ودورانها وهي تنقر الحب الذي اعتادت
سوسن أن ترميه في الفناء لها ما يمس شغاف قلبها ويترك أثراً في نفسها.
إلا أنّ الجد وبفطنته الفطرية حذر الصغيرة سوسن من التقرب من الأعشاش
ولمس البيض، حين جاءته راكضة وأخبرته إنّ الحمام بنى أعشاشاً ووضع
بيضاً .
بعد أسابيع قليلة كانت سوسن تراقب محاولة خروج الصغار من
بيضها..أشفقت.. ومدت يد المساعدة من دون أن تعلم بأن مساعدتها عجلّت
بهلاك الصغار، حزنت الطفلة سوسن، إلا أنّ الجد حاول أن يخفف من حزنها
بكلماته العذبة والمبطنة بعتاب جميل .
ما دونته الزميلة سوسن هو خاطرة مستلة من عمق الذاكرة كتبتها بأسلوب
المبتدأ إلا أنّ العبرة فيما تحمل هذه الخاطرة من معنى ألا وهو التدخل
في شؤون الغير تدخلاً يجلب المصائب والويلات للجميع، وهنا لابد من
الإشارة ، فالصغيرة سوسن عندما قدمت مساعدتها وبنية صادقة لم يدر في
خلدها إنّ خطوتها ستنقلب إلى الضد لذا فحزنها كان كبيرا.
أما اليوم فالمساعدة المشروطة والنوايا الخبيثة المبيتة لا تُحزِن من
يقدمها بل باتت لعبة يلعبها الكبار الأقوياء مع الصغار الضعفاء، لذا
ستبقى سوسن تبحث عن وطن لا يزال الماضي فيه حاضراً .. عالم الحمام
المسالم وهديله .. إنه الإحساس الجميل الذي يراودها .. يملا فراغات
روحها، فحين تطل من الطابق العلوي لبيت الجد متأملة شمس الغروب وهي
تلون تيجان البيت القديم بعد أن دفأت أعشاش الحمام، تنزل بكل كيانها
إلى قاع المدينة لتبشر بأشيائها الجميلة ، فالساسة لهم حساباتهم ولا
يخدمون إلا مصالحهم، والمجتمع الحر والعادل الذي يجب بناءه لا يبنى إلا
بثورة اجتماعية تعيد بناء العراقي ـ لا ترميمه ـ فسنوات الظلم والقهر
والإذلال حولته إلى حطام متناثر تأخذه الأهواء وتعبث به النزوات.
وأخيراً فأنشداد الفنانة سوسن إلى جذورها .. ذكرياتها الدافئة دفْ الجو
ولطافته عطرته نسمات خفيفة من الجوري والرازقي منبعثة من خلف الحيطان
العالية لحدائق الأهل والجيران.
أما هنا فالصمت هو الذي يحدثها أكثر من كل الحكايات...
لذا ستبقى لديها الذكرى أجمل تعويض.
محمود بدر العطية
|